الرئيسية / منبر حر / برامج الدعم الاجتماعي بالمغرب … مقاربة أولية – الجزء الأول –

برامج الدعم الاجتماعي بالمغرب … مقاربة أولية – الجزء الأول –

   أثارت صور عمليات توزيع الدعم الغذائي الرمضاني لهذه السنة ’بمختلف أقاليم و مدن المملكة الكثير من الملاحظات و الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي ’ و قد وصلت في بعض الأحيان الانتقادات إلى حد تسفيه هاته المبادرة الخيرية و المطالبة بوقفها ’و إن كنت شخصيا أتفهم سبب هذا الهجوم في هذا الوقت بالذات ’الذي تحاول فيه كتائب جماعة “العدل و الإحسان ” المتطرفة صب الزيت على النار بمختلف الأشكال و الوسائل لإشعال نار الفتنة و زيادة لهيبها’في استغلال واضح للوضع الخاص الذي خلقه “حراك الريف ” بالمغرب ككل’ فان الأمر برمته يحتاج لتوضيح و تفسير بعض أساسيات فكرة الدعم الاجتماعي بشكل عام .   

           بغض النظر عن مسألة العدالة الاجتماعية و التوزيع العادل للثروة ’لا يخلو مجتمع من المجتمعات البشرية كيفما كان نمط إنتاجه الاقتصادي و نظامه السياسي و تركيبته الطبقية من فئات اجتماعية غير قادرة على الإنتاج و العمل ’فئات من أفراد و جماعات ما تلبث تحتاج للعديد من أساسيات الحياة و الحد الأدنى للعيش و لا تملك لذلك سبيلا ’ كما تحتاج إلى الحماية ممن يشكل سلوكهم تهديدا لاستمرارية و امن المجتمع ’من تلك الفئات نذكر الأرامل و الأيتام و المعوزين و المسنين الفرادى و المتسولين و ذوي الاحتياجات الخاصة و غيرهم ’ وهي فئات تسعى أنظمة المساعدة و الحماية الاجتماعية إلى مساعدتهم ومد يد العون لهم عبر قنوات اجتماعية منظمة تؤمن لهم الحد الأدنى للعيش الكريم وتلبي احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتعليمية وغيرها بما يساعدهم على التكيف مع بيئاتهم ويمكنهم من استثمار طاقاتهم من أجل بناء أنفسهم ومجتمعاتهم.

         و يمكن التأصيل تاريخيا لمسألة الدعم الاجتماعي للفئات الهشة حتى قبل ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي ’من خلال مساهمة الفلاسفة الاوروبيين و تنظيراتهم لبناء و تنظيم المجتمعات العادلة ’كما كان الحال مع ” سقراط ” ابان حديثه عن المدينة الفاضلة و حديث الفيلسوف الأسباني “جان لويس” عن أهمية الأسرة في حماية المجتمع من النزعات المادية الصرفة ’ ثم مع “جان جاك روسو ” و نظريته في العقد الاجتماعي ’مرورا لظهور أولى أشكال الرعاية الاجتماعية في هولندا ممثلا في “صندوق المساعدة ” ’ و مبادرة موائد الفقراء الكاثوليكية و تأسيس مراكز الإحسان المسيحية في فرنسا بعد الثورة الصناعية  ’و وصفة ” مارتن لوثر”  في محاربة التسول بألمانيا’ وصولا لدور الرعاية الاجتماعية بالمملكة البريطانية ’ ناهيك اليوم عن ظهور عدد لامتناهي من أنظمة الحماية و الدعم الاجتماعيين للفقراء و العاطلين و المهاجرين و غيرهم بمختلف الدول الحديثة سواء بأوروبا أو أمريكا ’ و هناك لا يطرح أبدا سؤال توزيع الثروة متى تعلق الأمر بالفئات الغير قادرة على الإنتاج لأنها أصلا لن تستفيد منها إلا بوجود أنظمة للحماية الاجتماعية حتى لو تم توزيع الثروة بطريقة عادلة مائة بالمائة ’ إذن فأنظمة الحماية و الدعم الاجتماعيين ضرورية لحماية امن و حياة الفئات الهشة و ليست ذرا للرماد في العيون كما يدعي مريدو فكر الأزمة أو أنصار تيار الفكر العدمي اللابس وجه الفكر العقلاني  .

      إذن بعيدا عن الخلفيات الهدامة و بعد عقد من إطلاق ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية كأهم برنامج يهدف إلى تعزيز آليات التماسك والتضامن والحد من الفقر والهشاشة الاجتماعية’ و ما نتج عنه من برامج أخرى تكميلية كنظام المساعدة الطبية (راميد)، وبرنامج تيسير (التصدي للهدر المدرسي) ’و برنامج مليون محفظة ، وصندوق دعم التماسك الاجتماعي ” لفائدة المطلقات “’ و برنامج “الدعم المباشر للنساء الأرامل في وضعية هشة ” ’ ناهيك عن الدعم الغذائي الرمضاني للمعوزين و التوزيع الشهري للدقيق المدعم ’و في سياق صيرورة هذه الدينامية المتصاعدة الهادفة إلى تعزيز السياسات الاجتماعية للدولة تجاه الفئات المعوزة’ ألا يحق لنا طرح أسئلة من قبيل لماذا لا تكفي البرامج الحالية للدعم الاجتماعي لمعالجة الفقر و الهشاشة بالمغرب اليوم ؟ و لماذا استمر تقهقر المغرب بسلم التنمية البشرية على  المستوى الدولي ؟ ألا تحتاج السياسات العمومية في مجال محاربة الفقر و الهشاشة إلى جرعات جديدة ؟ و كيف هو حال حكامة تلك البرامج ؟ أليس “الفساد ” من يعيق نجاح تلك البرامج كلها ؟ و لماذا لا يتم تفعيل المحاسبة في حق من اشرفوا على هاته البرامج دون طائل ؟ ألم يحن الوقت لتقييم تلك البرامج ؟ ألم يحن الوقت لتجميع كل تلك البرامج في وكالة واحدة لتسهيل شفافية التدبير و المحاسبة ؟ ثم ما موقع كل ذلك بالبرنامج الحكومي للحكومة الحالية ؟ (انتهى الجزء الأول ).

بقلم :سليمان رشيد /ورزازات .

شاهد أيضاً

حسن الأكحل يكتب: لماذا المنظمة الديمقراطية للثقافة ؟

 إن ميلاد المنظمة الديمقراطية للثقافة يأتي في سياق نقابي أملته مجموعة من التحولات الموضوعية التي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *